الأربعاء، 23 نوفمبر 2011

بحر الدماء


ترتدى السواد وتجلس في السرادق؛ لاستقبال المُعزيين لها فى فقد ابنتها الوحيدة، التى كانت فى أوائل العشرينات من عمرها، الغريب أنها متماسكة للغاية ولم تذرف أية دمعة رغم ماتحاول إظهاره من إرتداء نظارة سوداء واستخدامها للمناديل الورقية ووضعها تارة على أنفها وتارة تمسح بها وجنتيها.عادت بالذاكرة لأكثر من عشرين سنة لتتذكر كم كانت فتاة بارعة الجمال، فارعة الطول، صافية البشرة بيضاء اللون .
كل من يراها يُفتن بجمالها، وكم تقرب منها أحدهم مراراً وتكراراً ولكنها في كل مرة يتقدم فيها لخطبتها ترفضه؛ فهو أقل من مستواها الإجتماعي وكلما رفضته بشدة كلما زاد إصرارًا على تمسكه بها وكم أحرجته كثيراً أمام أصدقائه بكلماتها التي تدل على احتقارها له.

وهنا قرر أن ينتقم لنفسه، ويأخذها عنوة ليضع أنفها فى التراب ،حينها ظهر شقيقها فجأة ،لم يكن يدري كيف يكيل إليه اللكمات ولم يتركه إلا بعدما أصبح بين يديه جثة هامدة.. بشهادة الشهود ودفاعاً عن عرضه أخذ براءة.
لكن أهل القتيل لم يرضيهم هذا الحكم من فضيحة لابنهم فترصدوا لشقيقها وقتلوه.

حُزن العالم كله لم يكفيها ولعدم وجود أدلة وشهود قيدت القضية ضد مجهول، ولكنها كانت تعلم جيداً من الفاعل؛ فشقيق القتيل الأكبر هو من فعلها لايوجد غيره يمتلك تلك النزعة الإجرامية..
ظلت تراقبه فترات طويلة وبعد مرور سنوات توقع الجميع أن الأمر انتهى إلى هذا الحد، ولكنها لم تنسى ولو ليوم واحد؛ فقد كانت تستعد للإنتقام والأخذ بثأر شقيقها مهما طال الزمن.
وبالفعل اختارات اللحظة المناسبة طبقًا لمعرفتها به بعد مراقبته الطويلة.

 قادت سيارتها وانتظرت قدومه قرابة منزله.
كان الوقت بعد منتصف الليل - فهو دائم السهر- وحينما رأته يدخل الشارع نزلت من سيارتها زاعمة بأن فيها عُطل ولا تستطيع تحريكها. قائلة بصوت لا يسمعه سواه"النجدة..سيارتي قطعت النفس ولا أدري ماذا أفعل، الغوث ، الغوث".
لم يتبين ملامحها في الظلام ولكنه اقترب منها فرائحة عطرها جذبته حتى ولو لم تنطق بشيء.
حينما لمحته يقترب أدارت ظهرها إليه وكأنها تفحص بطارية السيارة ،انتظرت حين دنا منها محني رأسه جوارها ناظراً إلى بطارية العربية حتى غرست المطواة في جانبه وحينها هوى على الأرض ساقطاً متأوهاً، ولكنها لم تعطي له فرصة ليكمل تأوهاته فقد كانت تغرس المطواة ثم تخرجها لتغرسها في مكان جديد في جسده المسجاة قبالتها حتى جعلته كالغربال.
ثم فتشت جيوبه، وأخذت محفظته وموبايله حتى تظهر بأنها حادثة سرقة، ركبت السيارة وفرت بعد ما تأكدت من موته ومن طلوع روحه أمام ناظريها.

تركت البلد كلها ولم يعثر لها أحد على أثر؛ فبعد موت شقيقها أصبحت غريبة الأطوار ولم يعد أحد يهتم بها مثلما كان شقيقها يفعل؛ فقد كان رجلها الوحيد وسندها في مواجهة العالم وبعده لم تعد أبداً كما كانت.
وقررت أخيراً أن تتزوج لتنجب ولداً يكون لها عوناً وسنداً في الحياة، فالرجال من وجهة نظرها خائنين لايهمهم سوى تفريغ شهوتهم الحيوانية..

 والزواج بالنسبة لها يعني مجرد وسيلة شرعية للإنجاب.. وبالفعل بعدما حملت طلبت من زوجها الطلاق دون أن تخبره بحملها فقد أرادت الإكتفاء بجنينها دون تدخل من أحد.
وبعد الولادة اكتشفت بأن الجنين "أنثى" وخاب أملها في وجود ضهر لها يجعلها لاتخشى من ضربات البطن المتمثلة في غدر الزمن والناس..
استسلمت للأمر الواقع وقررت أن تصنع من ابنتها سنداً قوياً؛ فقد علمتها منذ الصغر فنون القتال والكاراتيه.. حاولت أن تغرس بداخلها أفكارها المريضة عن شهوانية الرجل وكأنه كائن جاء من الغزو المريخي وعليها الاحتراس والانتباه دائماً حتى لايفتك بها على حين غفلة منها.
- ولكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه .. وأبنائنا ليسوا مجرد جهاز كمبيوتر يخرجون لنا المعلومات التى قمنا بتخزينها عليه منذ سنوات.. فهم بشر ولا يوجد من يستطيع أن يتحكم فى تصرفات إنسان مهما كان-.

بعد مرور عشرون عاماًً أصبحت ابنتها الآن عروساً شابة.
اخبرت الابنة أمها بأنها تعرفت على شاباً زميلاً لها في الجامعة وأنها تحبه وهو يحبها وبينهما علاقة وثيقة وترجو أن تتكلل بالزواج.
رغماً عن الأم سعدت بهذا فهي كأي أم تنتظر يوم زفاف ابنتها رغم كل شيء ويكفي أن ابنتها حقاً تهواه وصبرت نفسها قائلة :عريس ابنتي سيكون هو ابني الذي لم أنجبه.. سيكون هو رجل البيت.. ولكن هل يستحق أن يكون رجل البيت حقاً.
تساءلت في نفسها وقررت ألا تصدر أي حكم عليه قبل أن تراه أولاً وتجلس معه.
سعدت الابنة بهذا؛ فتصرف أمها غير متوقع بالنسبة لها.. وسرعان ما حددت ميعاد للمقابلة بينهما كان على أثره أن أتى الشاب وحده .. تحدثت الأم معه وطلبت منه أن يكتب ورقة عليها بياناته حتى تسأل عنه.. وافق على الفور فقد شعر بأن الأم من خلال كلامه معها مُرحبة به.
وحينما ناولها الورقة وقرأتها سريعاً سألته بعض الأسئلة لتتأكد من الخاطر التي آتى في ذهنها فور القراءة وحينما أجابها ابتسمت ابتسامة متكلفة ثم انهت الزيارة على وعد بأن تخبره قرارها النهائي.
انصرف وهو في غاية السعادة.
ولكنها كانت الفاجعة بالنسبة لها فقد كان ابن من قتل شقيقها والذي بدورها قتلته.
ودارات الأرض بها.. كيف أزوج ابنتي لابن قاتل شقيقي.. هذا لن يحدث أبداً فأمنيتي كانت ومازلت بأن تباد هذه العائلة وسلالتها من على وجه البسيطة.

صارحت ابنتها بالرفض ولكنها لم تبد أي سبب مقنع لابنتها سوى أنه شاب مستهتر وغير ناضج ولايستطيع تحمل مسئولية.. فكرت أن تخبرها بالحقيقة ولكنها خشت أن تصارح ابنتها الشاب فيشك في أنها من قتلت أبيه ولكنها تراجعت عن الفكرة.
توقعت أن تقابل ابنتها هذا بالعِند ثم الغضب ثم الحزن وبعدها ستنسى.
ولكن هذا لن يحدث فقد سمعت ابنتها تتحدث هاتفياً مع حبيبها وتتفق معه على أنها ستتحدث مع أمها لتقنعها وإذا لم توافق فهي لم تترك لها سوى الهروب لتتزوجه وتضع أمها أمام الأمر الواقع.
صعد الدم يغلي في رأس الأم .. هذه من تزوجت لأنجبها ..هذه من كتمت على أبيها وجودها في الحياة حتى لا يأخذها مني أو يشاركنى فيها.. هذه من ربيتها وصنعتها بيدي لتكون إنسانة ذات شخصية قوية ولا يستطيع أحد أن يقهرها يوم ما تعلن تمردها وعصيانها يكون عليَّ أنا .. أمها!. هذا لن يحدث.
وانتظرت إلى أن أنهت ابنتها الاتصال، وراحت فى سبات عميق .
ولم تدري الأم بنفسها إلا وهي واضعة الوسادة الصغيرة على وجه ابنتها وهي نائمة فماتت .
ولتظهر الحادثة قدرية قامت بنقل ابنتها إلى المطبخ وألقتها على الأرض ثم فتحت أنبوبة الغاز ونزلت تتبضع من السوق كعادتها . وحينما عادت وجدت الجيران يخبروها بوجود رائحة غاز منبعثة من شقتها.. فهرولت لتفتح باب شقتها أمامهم مُِبدية قلقها وذعرها وجرت نحو المطبخ وهم وراءها وكان عدد الشهود يفى بالغرض.. وعدى الموضوع بسلام.
----------------------------
أفاقت من شرودها على صوت تعرفه جيدًا يقول لها: البقاء لله يا طنط.
نظرت له فوجدته حبيب ابنتها فصافحته بحرارة قائلة وهي تتصنع البكاء: لو كنت اعرف أنها ستنتحر كنت وافقت على زواجكم.
جلس الشاب جوارها وانهمر في البكاء غير مُصدق أن حبيبته قد انتحرت بالفعل.. فوجدها تربت على كتفه
قائلة: أنت من النهاردة ستحل مكانها عندي.. خلاص يابنى لم يعد لي سواك ويكفي أنها كانت تحبك.

أبدى سروره وتعاطفه معها وأعطاها رقم موبايله لتتصل به في أي وقت تريده ووعدها بأن يزورها يومياً ليلبي طلباتها.. شكرته بامتنان.
وما إن انصرف حتى لمعت في عينيها نظرة جديدة من نظرات الانتقام ودارت أفكار عدة فى رأسها لكيفية قتله.

- تمت-.

هناك 8 تعليقات:

مصطفى سيف الدين يقول...

هكذا هو الدم كالأمطار تبدأ بقطرة واحدة ثم لا يلبث أن يصبح سيلا لا يهدأ والأرواح التي تشوهها الذنوب مرة من الصعب ان تتوقف فالنفوس كالوحوش ان أطلقت عنانها مرة ستفترس كل البشر
قصة جميلة موناليزا واسلوبك في منتهى الروعة
تحياتي

أم هريرة.. lolocat يقول...

ياخرابى ياموناليزا هههههه
الثورة اثرت عليك اوى كده
كل ده دم وأنتقام !!!!!!!!


برغم حرارة الكلمات القاتلة المرعبة الا انى شعرت انى شاهد فيلم عربى .
وكثيرا ما نجد هذه القصة تحدث فى بعض البلاد التى تتمسك بفكرة الثأر القبيحة


شكرا لك اختى الحبيبة على مجهودك الواضح فى القصة التى استمتعنا بها معك

لك ارق تحية وتقدير

عازفة الالحان يقول...

مسآأئك طأهَر

حرف جميل
واسلوب ايضا جميل

دمتي بخير

حمـــــــــــــــــــــة يقول...

أختاه
قلمكي ذهب بعيدا

beautiful mind يقول...

مش عارف اقول ايه
هي القصه اسلوبها الروائي جميل جدا
واسلوبك ايضا مشوق
لكن الاحداث نفسها غريبه جدا
بعيدة تماما عن الواقع
وتشبه ما نسميه لدينا بالافلام الهندي
هذا عن القصه
لكن يبقي ان لاسلوبك نكهته الخاصة

EMA يقول...

فظيعة اوى

تسلم ايدك و اسلوبك

تحيتي

ريبال بيهس يقول...

مساء الورد

هناك من قال أنك ذهبتي بعيداً وهناك من قال بأنني أشاهد فيلم هندي واستغرب لأن عالم الروايات والقصص القصيرة لا يخضع لواقعنا بل أحياناً ينحو نحو الخيال ورغم ذلك وجدت النص قريب من الواقعية لأن الإنتقام وشهوة الدم هو عبارة عن إدمان وهذا واضح وحتى لا نذهب بعيداً لننظر للصعيد حيث الثأر شرف ومن لا يثأر لدمه يعتبر قليل الرجولة أو معدومها برغم أننا في دولة قانون ورغم ذلك لم يستطع أحد أن يوقف حمامات الدم التي تنتج من الإنتقام لذلك نعم لن أستغرب أحداث القصة فالبنت لوت ذراع والدتها التي كرهت كل الرجال لأن سبب عذابها رجل هو الذي أفقدها أغلى رجل في حياتها ....

بكل أمانة قصة جميلة ولم أمل قراءتها ..

مميزة ومبدعة

تحياتي وإحترامي

موناليزا يقول...

مصطفى سيف الدين
ــــــــــــــــــ
أهلا بيك يادكتور
أشكرك جداً لتعليقك المميز الذى افتقدته حقاً
وسعيدة جداً برأيك فى القصة وفى أسلوبى

يسعدنا دوام التواصل


***********************************

أم هريرة
ـــــــــ
أهلا بيكِ يا لولو
القصة دى قبل الثورة :)
واضح إنى أنا اللى ميولى بقت دموية :)

فيلم عربى يعنى عرفت أعبر كويس :)

أشكرك جداً لتعليقك ولرأيك

نورتينى حبيبتى وفى انتظارك دايما


*******************************

عازفة الألحان
ــــــــــــ
أهلا بيكِ حبيبتى فى زيارتك الأولى
يسعد مساكِ :)
أشكرك جداً لرأيك ولتعليقك
نورتى مدونتى وفى انتظارك دايما



********************************


حمة
ــــــ
أهلا يك يافندم بعد طول غياب
مش بعيد ولا حاجة بيحصل فى الواقع أكتر من كده :)
أشكرك لتعليقك
يسعدنا دوام التواصل


********************************


بيوتيفل مايند
ـــــــــــــــ
أهلا بيك يافندم
أهم حاجة إن الاسلوب الروائى من وجهة نظرك جميل.. ده يهمنى أكتر على فكرة :)

أشكرك جداً لرأيك ولتعليقك
ويسعدنا دوام التواصل


********************************

إيما
ــــــ
أهلا بيكِ يا إيما
أشكرك جداً لرأيك ولتعليقك
نورتينى حبيبتى وفى انتظارك دائماً



*******************************

ريبال بيهس
ـــــــــــــ
أهلاً بيكِ ريبال
مساء الفل يا حبيبتى

كل يعبر عن رأيه ورؤيته الخاصة وماعلينا سوى احترام جميع الآراء :)

أشكرك جدا لرأيك ولتعليقك الذى أسعدنى حقاً
نورتينى وفى انتظارك دائماً